محمد طاهر الكردي
536
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وعنه أيضا رضي اللّه عنهما قال : " لما هدموا الكعبة البيت وبلغوا أساس إبراهيم وجدوا في حجر من الأساس كتابا فدعوا له رجلا من أهل اليمن وآخر من الرهبان ، فإذا فيه : " أنا اللّه ذو بكة حرّمتها يوم خلقت السماوات والأرض والشمس والقمر ويوم صنعت هذين الجبلين وحففتها بسبعة أملاك حنفاء " . وعن ابن إسحاق ، أن قريشا وجدت في الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود قال فإذا هو : " أنا اللّه ذو بكة خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى تزول أخشابها مبارك لأهلها في الماء واللبن " . وعن مجاهد أنه قال : وجد في الزبور " أنا اللّه ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين وصغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وجعلت رزق أهلها من ثلاثة سبل فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاث طرق من أعلا الوادي وأسفله وكدا وباركت لأهلها في اللحم والماء " . انتهى كل ذلك من تاريخ الإمام الأزرقي رحمه اللّه تعالى . نقول : تقدم أن إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، لما دعا لأهل مكة بالرزق من الثمرات ، نقل اللّه أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك ليأتي منها الثمرات لأهل الحرم . فنحن نرى ، أن نقل الطائف من الشام ليس على حقيقته الواقعية وإنما هو مبالغة وتشبيه حيث إن أرض الطائف وهواءها ليس مثل مكة في درجة حرارتها ، وإنما الطائف بالنسبة لمكة وما حولها كأنها قطعة من الشام في جودة تربتها وصلاحيتها للزروع والثمار ، وبرودة هوائها برودة شديدة ، بل هي المصيف الوحيد لأهل مكة وما جاورها من المواضع من قديم الزمان . فالطائف قطعة من نفس أرض الحجاز من أصل الخلقة ، بدليل أن الإنسان كلما ارتفع وبعد عن الطائف نحو الحجاز ، كالمواضع الشهيرة بلاد بني سعد وثقيف وناصرة ، وبلاد غامد وزهران ، وبلاد عسير ، وبلاد قحطان ، وجد البرد شديدا والماء عذبا ، ووجد ثمارا كثيرة رخيصة ، وأرضا طيبة زراعية . هذا رأينا الخاص واللّه أعلم بالغيب .